ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

388

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

هاهنا على وصف الأسد ، وهذا أبين في المفاضلة من التوارد على معنى واحد يصوغه هذا في بيت من الشعر وفي بيتين ويصوغه الآخر في مثل ذلك ؛ فإن بعد المدى يظهر ما في السوابق من الجواهر ، وعنده يتبين ربح الرابح وخسر الخاسر . فإذا شئت أن تعلم فضل ما بين هذين الرجلين فانظر إلى قصيدتهما في مراثي النساء التي مفتتح إحداهما . يا أخت خير أخ يا بنت خير أب * كناية عن أكرم العرب « 1 » وهي لأبي الطيب ، ومفتتح الأخرى : غروب دمع من الأجفان ينهمل * وحرقة بغليل الحزن تشتعل وهي للبحتري ؛ فإن أبا الطيب انفرد بابتداع ما أتى به من معاني قصيدته ، والبحتري أتى بما أكثره غث بارد ، والمتوسط منه لا فرق فيه بين رثاء امرأة أو رجل . ومن الواجب أنه إذا سلك الناظم أو الناثر مسلكا في غرض من الأغراض ألّا يخرج عنه ، كالذي سلكه هذان الرجلان في الرثاء بامرأة ، فإن من حذاقة الصنعة أن يذكر ما يليق بالمرأة دون الرجل ، وهذا الموضع لم يأت فيه أحد بما يثبت على المحكّ إلا أبو الطيب وحده ، وأما غيره من مفلقي الشعراء قديما وحديثا فإنهم قصروا عنه . وله في هذا المعنى قصيدة أخرى مفتتحها : نعدّ المشرفيّة والعوالي * وتقتلنا المنون بلا قتال وكفى بهما شاهدا على ما ذكرته من انفراده بالإبداع فيما أتى به ، والفتيا عندي بينه وبين البحتري أن أبا الطيب أنفذ في المضيق ، وأعرف باستخراج المعنى الدقيق ، وأما البحتري فإنه أعرف بصوغ الألفاظ ، وحوك ديباجتها ، وقد قدمت أن الحكم بين

--> ( 1 ) الذي في الديوان : كناية بهما عن أشرف النّسب